القرطبي
278
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) " أعلم " فيه تأويلان ، قيل : إنه فعل مستقبل . وقيل : إنه اسم بمعنى فاعل ، كما يقال : الله أكبر ، بمعنى كبير ، وكما قال ( 1 ) : لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول فعلى أنه فعل تكون " ما " في موضع نصب بأعلم ، ويجوز إدغام الميم في الميم . وإن جعلته اسما بمعنى عالم تكون " ما " في موضع خفض بالإضافة . قال ابن عطية : ولا يصح فيه الصرف بإجماع من النحاة ، وإنما الخلاف في " أفعل " إذا سمي به وكان نكرة ، فسيبويه والخليل لا يصرفانه ، والأخفش يصرفه . قال المهدوي : يجوز أن تقدر التنوين في " أعلم " إذا قدرته بمعنى عالم ، وتنصب " ما " به ، فيكون مثل حواج بيت الله . قال الجوهري : ونسوة حواج بيت الله ، بالإضافة إذا كن قد حججن ، وإن لم يكن حججن قلت : حواج بيت الله ، فتنصب البيت ، لأنك تريد التنوين في حواج . قوله تعالى " ما لا تعلمون " اختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى : " ما لا تعلمون " . فقال ابن عباس : كان إبليس - لعنه الله - قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه ، فاعتقد أن ذلك لمزية له ، فاستخف الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام . وقالت الملائكة : " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " [ البقرة : 30 ] وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك ، فقال الله تعالى لهم : " إني أعلم ما لا تعلمون " [ البقرة : 30 ] . وقال قتادة : لما قالت الملائكة " أتجعل فيها " [ البقرة : 30 ] وقد علم الله أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم " إني أعلم ما لا تعلمون " . قلت : ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن ، فهو عام .
--> ( 1 ) القائل هو معن بن أوس . كان له صديق وكان معن متزوجا بأخته ، فاتفق أنه طلقها وتزوج غيرها ، فآلى صديقه ألا يكلمه أبدا ، فأنشأ معن يستعطف قلبه عليه ويسترقه له . ( عن أشعار الحماسة ) .